بدأ صندوق النقد الدولي المراجعة السابعة لبرنامج مصر للإصلاح الاقتصادي، حيث تطلب الحكومة من الشعب تحمل جولة أخرى من المعاناة الاقتصادية من خلال ارتفاع في أسعار الكهرباء والوقود، وتقليص الدعم، والاعتماد المتزايد على الديون لاحتواء تداعيات الحرب الإيرانية.

 

وقالت صحيفة "ذا ناشيونال": "بالنسبة للعديد من المصريين، لا يتم الشعور بالصدمة الإقليمية أولاً من خلال الأسواق المالية أو الاحتياطيات الأجنبية، ولكن من خلال ارتفاع فواتير الخدمات العامة، وعدم اليقين بشأن دعم الخبز، والضغط المتزايد على ميزانيات الأسر المثقلة بالأعباء بالفعل".

 

وأضافت: "وفي الوقت نفسه، يتواجد موظفو صندوق النقد الدولي في القاهرة لإجراء المراجعة السابعة لآلية الصندوق المُمدّد لمصر والمراجعة الثانية لآلية المرونة والاستدامة، وهي عملية يمكن أن تتيح الحصول على 1.6 مليار دولار إضافية، إذا تم التوصل إلى اتفاق على مستوى الموظفين وتمت الموافقة عليه لاحقًا من قبل مجلس إدارة الصندوق".

 

وقالت جولي كوزاك، مديرة الاتصالات في صندوق النقد الدولي، في واشنطن الخميس، إن تأثير الحرب في إيران على الاقتصاد المصري ظل حتى الآن "محصورًا نسبيًا" بفضل التدابير السياسية التي خففت الضغوط المالية والخارجية، ومن المتوقع أن يظل النمو قويًا.

 

نقل عبء التكيف إلى المستهلكين

 

لكن ما يصفه المسؤولون بـ"الاحتواء" على المستوى الاقتصادي الكلي يعني بشكل متزايد نقل عبء التكيف إلى المستهلكين، الذين يواجهون بالفعل ارتفاعًا في الأسعار. ويُعد سكان الأحياء ذات الوضع القانوني غير الواضح والأسر التي تعتمد على دعم الدولة من بين الفئات الأكثر تضررًا.

 

وقالت كوزاك إن المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا جورجيفا عقدت "اجتماعًا مثمرًا" مع (قائد الانقلاب) عبدالفتاح السيسي في القاهرة، حيث ناقشا التداعيات العالمية للحرب وكيف يمكن للصندوق أن يدعم جهود الإصلاح على أفضل وجه.

 

وعلى الرغم من تفاؤل الصندوق، فقد اشتدت المخاوف مؤخرًا بشأن تأثير الصراع على اقتصاد البلاد المنهك وعلى رفاهية أفقر سكانها.

 

وقالت وكالة ستاندرد آند بورز في أواخر أبريل إن مصر، إلى جانب موزمبيق ورواندا، من بين الاقتصادات الأكثر عرضة للصدمة الحالية في قطاع الطاقة.

 

وعلى الرغم من أن أسواق رأس المال المحلية العميقة في مصر توفر بعض الحماية، وأن الدولة لا تزال قادرة على الاقتراض بكثافة في الداخل والخارج، إلا أن هذا لا يعني أن الصدمة تختفي، بل يعني أنه يمكن إعادة توزيع التكاليف إلى الأسفل.

 

ارتفاع أسعار الطاقة يزيد من حدة الأزمة


وأعلنت هيئة حماية المستهلك في مصر مطلع هذا الأسبوع عن رفع تعرفة الكهرباء بنسبة تصل إلى 31% اعتبارًا من أبريل للأسر ذات الاستهلاك المتوسط والعالي، ولجميع المستهلكين التجاريين. ويأتي القرار عقب زيادات سابقة في أسعار الوقود والكهرباء في مارس، فيما عزته إلى أزمة الطاقة العالمية والأعباء المالية الناجمة عن الحرب.

 

أما القرار الثاني، الأقل شهرة، فكان أكثر دلالة من الناحية السياسية، وتمثل في فقدان ملايين الأشخاص الذين يستخدمون ما يسمى بعدادات الكهرباء المدفوعة مسبقًا، والتي تُستخدم لتزويد المباني غير المرخصة والمناطق العشوائية بالطاقة، إمكانية الحصول على الدعم الذي كان متاحًا لهم حتى الشهر الماضي.

 

ويتم إدخال عدادات الكهرباء في الأصل كحل مؤقت، بعد أن سمحت للدولة بتوصيل الكهرباء إلى المنازل في المباني التي تفتقر إلى الوضع القانوني الكامل دون الاعتراف بالملكية الرسمية للسكان. ويتم ربط العداد برمز بدلاً من مالك محدد، مما يجعله حلاً إداريًا مؤقتًا بدلاً من عقد مرافق قياسي.

 

وسمح ذلك للحكومة بمنع السكان من سرقة الطاقة من الشبكة، وهي ممارسة شائعة، بينما كانوا يعملون على تحصيل رسوم التسوية من المواطنين الذين قاموا بأعمال بناء غير مرخصة.

 

وابتداءً من شهر أبريل، بدأ احتساب استهلاك جميع عدادات الكهرباء بسعر موحد مرتفع بدلاً من النظام المتدرج المدعوم جزئيًا الذي كان مُتبعًا سابقًا. ويبلغ عدد عدادات الكهرباء المستخدمة حاليًا ما بين ستة وسبعة ملايين عداد، مما يعني أن ملايين الأسر تتأثر بشكل مباشر بالتخفيض الأخير في الدعم الحكومي لهذا النوع من المستخدمين.

 

ووصفت الصحيفة رئيس الوزراء مصطفى مدبولي بأنه كان صريحًا بشكل غير معتاد في الكشف عن الفكرة الكامنة وراء ذلك، حين وصف الأسبوع الماضي المباني التي تعمل بعدادات الكهرباء بأنها غير قانونية بشكل أساسي، وأكد أن الرد القانوني الأصلي كان ينبغي أن يكون الهدم. وأضاف أن للدولة الحق في تحصيل تكاليف الكهرباء كاملةً إلى حين تسوية أوضاع العقارات.

 

وتزايدت الشكاوى من جانب السكان الذين يقولون إنهم أكملوا بالفعل إجراءات التسوية أو يعيشون في وحدات رسمية بشكل فعال، ولكن لا يزال يتم محاسبتهم كمستخدمين لعدادات الكهرباء.

 

وأصدرت وزارة الكهرباء بيانًا في وقت سابق من هذا الأسبوع، وجهت فيه شركات توزيع الطاقة للتعامل مع الشكاوى.

 

دعم الخبز يدخل منطقة حساسة سياسيًا


ويدور النقاش نفسه حول دعم الغذاء. وقال وزير التموين شريف فاروق الأربعاء إن الحكومة تدرس التحول من دعم الخبز العيني ودعم بطاقات التموين إلى شكل من أشكال الدعم النقدي المشروطـ، اعتبارًا من السنة المالية المقبلة، بحلول شهر يوليو، باستخدام نظام بطاقات الدعم الحالي.

 

وقالت الصيحفة إن القرار يعني أن الدولة ستبيع الخبز بأسعار السوق بشكل عام، وبدلاً من ذلك ستمنح السكان الأفقر في البلاد المزيد من المال على بطاقات التموين الخاصة بهم لشرائه بأنفسهم.

 

وأكد الوزير أن الدولة لن "تتخلى" عن الدعم، وقدم هذه الخطوة كوسيلة لمنع تسرب الإعانات إلى غير الفقراء مع منح العائلات مزيداً من الحرية في اختيار ما يشترونه.

 

وأثار العديد من أعضاء البرلمان منذ ذلك الحين تساؤلات حول استبدال دعم الخبز بالدعم النقدي، محذرين من أن أي خطوة تؤثر على مثل هذه السلعة الأساسية الحساسة سياسيًا واجتماعيًا ستحتاج إلى نقاش عام وبرلماني أوسع وضمانات واضحة بعدم استبعاد الأسر ذات الدخل المنخفض.

 

ولطالما اعتُبر دعم الخبز خطًا أحمر بالنسبة للمصريين، يُفضّل ألا يتجاوزه السياسيون. ومع ذلك، في يونيو 2024، رفعت الحكومة سعر الرغيف المدعوم من خمسة إلى عشرين قرشًا؛ أي بزيادة أربعة أضعاف، وهي الأولى من نوعها منذ ثلاثة عقود، وواجهت الخطوة ردود فعل ضعيفة، مما يشير إلى احتمال تغيّر الأوضاع.

 

ومما يجعل هذا الأمر حساسًا بشكل خاص هو أن مصر لا تواجه صدمة الحرب الإيرانية من موقع مريح ماليًا، كما تشير الصحيفة.

 

وارتفع الدين الخارجي لمصر إلى حوالي 164 مليار دولار بحلول نهاية عام 2025، مقارنة بحوالي 153 مليار دولار في منتصف عام 2024، في حين تواجه البلاد سداد ديون خارجية تزيد عن 50 مليار دولار بين أوائل عام 2026 وسبتمبر المقبل.

 

ومنذ بدء الحرب الإيرانية، خرج حوالي 10 مليارات دولار من أسواق الدين المصرية، مما زاد الضغط على الاحتياطيات والتمويل.

 

وواصل البنك المركزي تجديد ديون مصر قصيرة الأجل بالعملات الأجنبية من خلال سندات الخزانة المقومة بالدولار لمدة عام واحد، حيث أجرى عدة مزادات هذا العام في نطاق يتراوح بين 900 مليون دولار و1.5 مليار دولار.

 

وتعتبر البنوك المصرية هي المشترين الرئيسين لهذه الأوراق المالية، وفقًا لبيانات وزارة المالية ونتائج مزاد البنك المركزي. وهذا الأمر مهم لأنه يعني أن حصة متزايدة من السيولة المصرفية تُستخدم لتمويل الدولة بدلاً من الإقراض الإنتاجي الأوسع نطاقًا.

 

وفي الواقع، تقوم الدولة بإزاحة المقترضين الآخرين مع الحفاظ على قدرتها على البقاء من خلال عمليات تجديد الديون المتزايدة باستمرار. 

 

وقد ست المناقشات البرلمانية هذا الشهر هذا القلق. خلال جلسة الميزانية التي عقدت في وقت سابق من هذا الشهر، حذر أعضاء البرلمان من أن خدمة الدين تستهلك حصصًا هائلة من الإنفاق، وجادلوا بأن الحكومة أصبحت متساهلة للغاية في الاقتراض.

 

وتُلامس هذه الانتقادات جوهر الوضع الراهن. فاستجابة مصر لصدمة الحرب الإيرانية لا تقتصر على طلب المزيد من أموال صندوق النقد الدولي أو طمأنة الأسواق، بل تتعداها إلى تحميل الأسر المزيد من أعباء التكيف من خلال رفع تكاليف الخدمات العامة، وتشديد قواعد الدعم، واتباع نهج أكثر انتقائية في تحديد المستحقين للدعم الحكومي.

 

وخلصت الصحيفة إلى أنه قد يكون من الممكن بالفعل "احتواء" الصدمة على المستوى الكلي، ولكن في مصر، يعني الاحتواء بشكل متزايد أن تدفع الأسر العادية المزيد للحفاظ على استقرار النظام.

https://www.thenationalnews.com/business/economy/2026/05/15/egypt-leans-on-households-to-weather-shock-from-iran-war/